الياس شوفاني

241

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

في المقابل ، كان العثمانيون في ذروة قوتهم ، ماديا ومعنويا . فقد حافظوا على روحهم القتالية المستمدة من تراث « الغازي » ، إلى حد كبير ، عبر حروبهم المستمرة مع أوروبا وآسيا الصغرى . كما ظلت مواردهم المالية تتزايد عبر الفتوحات التي توّجها دخولهم القسطنطينية . واستعان العثمانيون بخبرات متنوعة في تطوير إدارة الدولة ، تمثلت بعدد كبير من الوزراء والموظفين الأكفاء ، الذين توافدوا على الدولة الفتية . وعندما أحسّ بنو عثمان أن نظامهم العسكري القديم القائم على مبدأ الغازي ، لم يعد يلبي حاجاتهم ، عمدوا إلى تحديثه ، أولا عبر « النظام الجديد » ( يني تشري ) ، ولاحقا عبر « التجنيد العام » ( الدفشرمي ) . هذا فضلا عن بناء أسطول ضخم ، وإدخال المدفعية والأسلحة النارية بكثرة ، وتطوير المعرفة بالعلوم العسكرية . وفي قمة الهرم ، وعلى الرغم من بشاعة التقليد العثماني بقتل السلطان إخوته لدى اعتلائه العرش ، أو حبسهم في « القفص » ، فقد وفر للدولة العثمانية سلسلة من السلاطين الأكفاء والطموحين ، جعلت دولتهم القوة الأولى في عالم ذلك الزمان ، خلال فترة قصيرة نسبيا . لم يكن في قدرة المماليك الصمود أمام العثمانيين ، ولم يهب السكان المحليون لنصرة حكم المماليك الفاسد في حربه المصيرية . وكان الموقف الشعبي العام في بلاد الشام ومصر محايدا ، وذلك لكره الناس للمماليك وخوفهم من العثمانيين ، فلم يجد سليم الأول مقاومة تذكر في بلاد الشام بعد انتصاره على قانصوه الغوري وقتله في مرج دابق . ودخل السلطان قلعة حلب ، واستولى فيها على خزينة الغوري ، كما قبض على الخليفة العباسي ، المتوكل الذي كان الغوري حمله معه إلى المعركة . ومن حلب إلى دمشق ، فدخلها سليم من دون مقاومة ، وجاءته هناك الوفود لتقديم الولاء من جميع أنحاء بلاد الشام . ومن تخلف ، أو تردد ، جرى تطويعه . وفي السنة التالية ( 1517 م ) ، تقدم سليم ، وفي الطليعة وزيره سنان باشا إلى مصر ، فاصطدم بكتيبة من المماليك في خان يونس ، وقضى عليها ، وتابع مسيرته إلى القاهرة . وهناك ، قاتل السلطان الجديد ، طومان بي لكن من دون جدوى ، فهزم ، وهرب ، وألقي القبض عليه ، وشنق على إحدى بوابات القاهرة ، وأجهز سليم على المماليك ، وأنهى دولتهم . وفي طريق عودته من مصر إلى إستنبول خريف سنة 1517 م ، عرج سليم الأول على القدس . وكان يحمل معه الخليفة العباسي ، المتوكل . ولدى عودته اتهم سليم الخليفة باختلاس الأموال وأودعه السجن . وفي رواية عثمانية ، هناك شك في صدقيتها ، أن المتوكل تخلى عن الخلافة لمصلحة سليم . لكن العثمانيين لم يستعملوا اللقب بصورة رسمية حتى معاهدة كوتشوك كاينرجي ( 1774 م ) ، التي أنهت